السيد محمد بيرم الخامس التونسي

88

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

يقدر أن يفهم كلام الشارع ، ثم ذكر شروط ذلك » . وأنه إذا ابتلي الإنسان بالتقصير فحينئذ يلتجىء إلى تقليد أئمة الهدى وعلى الناقل عنهم أن يتثبت في السند لكي لا ينسب لأحد ما لم يقل به كما يقع كثيرا في تفريعات بعض المتأخرين فيخطئون في التخريج ومع ذلك ينسبون القول لأحد الأئمة فيما لم يقل به ، بل نقل عنه أنه قال على ما هو عليه من العلم

--> 1 / 138 الشاهد في الحديث قوله : « فرب حامل فقه لا فقه له » . وفي رواية الترمذي وابن حبان كما في الترتيب 1 / 143 : « فرب مبلغ أوعى من سامع » فإنه يفهمنا أن من الناس من حظه الرواية فقط ، وليس عنده مقدرة على فهم ما يتضمنه الحديث من المعاني . وفي لفظ لهذا الحديث : « فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » . أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . وقد عدّ علماء الحديث الذين ألّفوا في كتب مصطلح الحديث : [ علوم الحديث لابن الصلاح ( 296 ) وتدريب الراوي للسيوطي 2 / 218 ] . المفتين في الصحابة أقل من عشرة فإذا كان الأمر في الصحابة هكذا فمن أين يصح لكل مسلم يستطيع أن يقرأ القرآن ويطالع بعض الكتب أن يقول : « أولئك رجال ونحن رجال فليس علينا أن نقلدهم » . وقد ثبت أن أكثر السلف كانوا غير مجتهدين بل كانوا مقلدين للمجتهدين منهم ما روي في صحيح البخاري في كتاب الأحكام باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر في الأمور . ونصه : « أن رجلا كان أجيرا لرجل فزنا بامرأته فسأل أبوه فقيل له : إن على ابنك مائة شاة وأمة . ثم سأل أهل العلم فقالوا له : إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام . فجاء إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع زوج المرأة فقال : يا رسول اللّه إن ابني هذا كان عسيفا ( أي أجيرا ) على هذا وزنا بامرأته فقالوا لي على ابنك الرجم ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة ثم سألت أهل العلم فقالوا : إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأقضين بينكما بكتاب اللّه أما الوليدة فردّ عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام » فهذا الرجل مع كونه من الصحابة سأل أناسا من الصحابة فأخطئوا الصواب ، ثم أفتاه الرسول بما يوافق ما قاله أولئك العلماء . فإذا كان الرسول أفهمنا أن بعض من كان يسمعون منه الحديث ليس لهم فقه أي مقدرة على استخراج الأحكام من حديثه وإنما حظهم أن يرووا عنه ما سمعوه مع كونهم يفهمون اللغة العربية الفصحى فما بال هؤلاء الغوغاء الذين يتجرأون على قول : أولئك رجال ونحن رجال . وفي هذا المعنى قصة الرجل الذي كان برأسه شجة فأجنب في ليلة باردة فاستفتى من معه فقالوا له : اغتسل ، فاغتسل فمات . فأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « قتلوه قتلهم اللّه » : [ أخرجه أبو داوود كتاب الطهارة باب في المجروح يتيمم ] . فإنه لو كان الإجتهاد يصح من مطلق المسلمين لما ذمّ رسول اللّه هؤلاء الذين أفتوه وليسوا من أهل الفتوى . ثم وظيفة المجتهد التي هي خاصة له « القياس » أي أن يعتبر ما لم يرد فيه نص بما ورد فيه نص لشبه بينهما . فالحذر الحذر من الذين يحثون أتباعهم على الاجتهاد مع كونهم وكون متبوعيهم بعيدين عن هذه الرتبة فهؤلاء يخربون ويدعون أتباعهم إلى التخريب في أمور الدين . وشبيه بهؤلاء أناس تعودوا في مجالسهم أن يوزعوا على الحاضرين تفسير آية أو حديث ثم يبدي كلّ رأيه مع أنه لم يسبق لهم تلق معتبر من أفواه العلماء ، وهؤلاء المدعون شذوا عن علماء الأصول لأن علماء الأصول قالوا : القياس وظيفة المجتهد . وخالفوا علماء الحديث أيضا فالإجتهاد مشروع لأهله وليس لكل فرد من أفراد المسلمين وإلا لضاع الدين والفوضى لا تليق بالدين . قال الأفوه الأودي : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا